ميروسلاف المصور صاحب الكامرة المصنوعة من القمامة




قررت مؤخرا أن أخصص يوم الجمعة للمقالات التي تعرف بالفنانين و المبدعين الذين لم يسلط عليهم الضوء على المستوى العربي .

و بما أنني لا أحب المقالات المملة و المليئة بالرسميات ، سأكون خفيف الظل بما فيه الكفاية و في نفس الوقت سأحاول ألا أقصر في تعريفي لهؤلاء العمالقة المبدعين . 

حسنا دعنا من هذه المقدمات المملة و ليكن أول فنان سأتحدث عنه هذا الأسبوع فنانا مصورا "بحكم أنني مولع بالتصوير الفوتوغرافي" .

ميروسلاف تيشي ( 1926-2011 ) "صانع الكامرات من القمامة"


                                



ولد المصور ميروسلاف تيشي بمنطقة مورافيا بجمهرية التشيك سنة 1926 و توفية سنة 2011 بعمر يناهز 84 سنة .

عاش طيلة حياته بالتشيك متشردا منعزلا يطيل لحيته ولا يبالي بنظافته ، إمتاز هذا الفنان بصناعته لألات التصوير الخاصة به من بقايا الزجاج و المعلبات حيث كان يقوم بتحميض صوره بنفسه .
تركزت جل أعماله على تصوير حياة الشارع و تصوير الأشخاص خصوصا النساء حيث تميزت صوره بالحساسية و الجرأة .


كان ميرسولاف تيشي يلتقط صور لأجساد كاملة أو غير  نساء عاريات رؤوس ، كان أيضا يلتقط صور لملابس داخلية للنساء معلقة على حبال الغسيل . و هذا ما كان غير مألوف أو بالأحرى محرما في جمهرية التشيك آنذاك حيث كان النظام الشيوعي يمنع الفنانين من انتاج مثل هذه الأعمال .

عشق ميرسولاف الجمال الأنثوي حيث كان يتنقل في شوارع مدينته باحثا عن ما يلهمه، مستعينا بمخيلته الغريبة التي جعلت أعماله تلقى نجاحا باهرا في السنوات الأخيرة .

مساره الأكاديمي و الفني :

درس صاحبنا بأكادمية الفنون الجميلة ببراغ ، لكنه توقف عن الدراسة سنة 1948 لأسباب شخصية أو ربما سياسة .
في سنة 1950 كان الفنان التشيكي يمارس الرسم و كان يقلد أعمال بيكاسو و الرسام الفرنسي بول سيزان ، حيث كان أول ظهور له كفنان بالمعرض الجماعي للفنانين  التيكوسلوفاكيين بمورافيا و كانت جل رسوماته تندرج ضمن موضوع الجمال الأنثوي .

في سنة 1970 إنتقل من الرسم إلى التصوير الفوتوغرافي بعدما تم إجباره بالقوة على إفراغ ورشته الخاصة بالرسم لكي يتم استعمالها من طرف إحدى التعاونيات الصناعية . 

لم يستسلم ميرسولاف لقساوة الظروف و بدأ بصناعة كامراته من بقايا العلب المعدنية "علب المشروبات" و زجاج النظارات ، و بدأ مسيرته الفوتوغرافية و إستكشاف عالم آخر كما يقول . " كل اللوحات تم ابداعها و كل الرسومات تم رسمها ، ماذا علي أن أفعل ؟ سأبحث عن وسيلة أخرى ، بفضل الفوتوغرافيا وجد شيء آخر عالما آخر .. " .


كان ميروسلاف يطبع صوره بطريقة فوضوية وبدائية، حيث كان يأطّرها بورق مقوى حيث يقوم بتلوينها فيما بعد ويضيف عليها زخرفات غريبة . تعدى قلم صاحبنا على بعض تفاصيل الجسد وخطوطه التي ينقصها الوضوح. تقاسم الرسام والمصور الفوتوغرافي مساحة الصورة التي رماها بين أكوام منها في أحد الزوايا من دون أن يعود إليها مرة ثانية فتبقى وحيدة لا شبيه لها، ولا ما يشير إلى زمن إلتقاطها أو ما يعرّف عن بطاقتها التقنية. حتى السلبيات الأصلية "فيلم النيكاتيف" لا يعد مكان لها في بيت تيشي المتواضع. 

من سنة 1957 حتى 1959 كان تيشي مريضا بمصحة  للأمراض النفسية، حيث كانت حالته النفسية سئية كما أنه تعرض لشتى أنواع التعذيب أثناء فترة علاجه . 

لكنه تمكن من الخروج منها في وقت لاحق بعد انهيار النظام الحاكم .

تاريخ ميروسلاف الفني كان قصير جداً، إذ لم يتعرف عليه العالم إلا في السنوات الأخيرة عندما بلغ عمره الثامنة والسبعين. كان ذلك في سنة 2004 في أشبيليه. حيث نالت أعماله جائزة «إكتشاف» التي تمنحها «لقاءات آرل الفوتوغرافية الدولية». أما العرض الأهم له فشهدته سويسرا، وتحديداً في أحد متاحف زوريخ سنة 2005. و بعدها تم استقباله من طرف «مركز بومبيدو» الباريسي في سنة 2008 في معرض كبير جدا. و في سنة 2010 عرض«المركز الدولي للفوتوغرافيا» نيويورك أعمال هذا الفنان التشيكي الغري الأطوار الذي يستخدم كاميراته المصنوعة من القمامة، والتي يلتقط بواسطتها صوره المحزِنة المشوِّهة أحيانا للنساء. 

ميروسلاف أعطى للتصوير الفوتوغرافي الكثير حيث أصبحت أعماله مادة فنية تدرس لطلاب العلم في الجامعات و المعاهد الكبرى في العالم ، كما أن صوره تجاوزت قيمتها ملايين الدولارات . 

شخصيا أثارتني أعمال هذا المصور العظيم و جعلتني أقتنع إقتناعا تاما أننا نستطيع خلق أعمال فنية بأي شيء بين أيدينا . 

فكما أنه إستطاع أن يصنع عالمه من كامرات أعدت من القمامة فنحن أيضا قادرون على أن نجد شغفنا في أي مكان .
#حب_و سلام 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نحن السبب الأول في موت المحتوى العربي

لماذا لا يتم الترويج للكتب مثل الأفلام السينيمائية ؟

عندما يكون الفن ليس بفنٍّ حقا ..

سجل ليصلك الجديد عبر الايميل